تعاظُم تجارة المخدرات في العراق: الأبعاد الداخلية والخارجية

أغرق الشارع العراقي في مشكلات عدة جراء ترويج ونقل المخدرات، واتساع رقعة الجريمة المنظمة، والمشكلات الاجتماعية والأمنية المختلفة، فضلاً عن تحويل الأراضي العراقية ذاتها إلى عامل تهديد أمني محتمل للجوار الإقليمي

Blog

شهد العراق في الآونة الأخيرة تصاعداً كبيراً في ظاهرة تجارة المخدرات، وبصورة جعلت منها تهديداً مباشراً للأمن الوطني العراقي، إذ تحوَّل العراق من مجرد ممر إقليمي لعبور المخدرات، إلى مركز رئيس من مراكز تجارة المخدرات العابرة للحدود، وهو ما قد يجعل من هذه التجارة تحدياً كبيراً سيواجه العراق خلال السنوات المقبلة، نظراً للمشكلات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تنتج عنها.

تُناقِش هذه الورقة أسباب تصاعُد ظاهرة تجارة المخدرات في العراق، ومصادرها وأساليبها، ودور الحكومة العراقية في مواجهتها، وتداعياتها السياسية والأمنية على الصعيدين الداخلي والخارجي.

تصاعُد ظاهرة تجارة المخدرات في العراق

بدأت معضلة انتشار ظاهرة تجارة المخدرات في العراق بالتفاقم بعد الغزو الأمريكي عام 2003، إذ ساهم الانفلات الأمني الذي شهده العراق بعد الغزو، فضلاً عن ضعف الجهود الرسمية من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة، في اتساع هذه التجارة ووصولها إلى حدود غير مسبوقة(1). وتُعتبر مواد الكريستال والكبتاغون والحشيش والهيرويين والأفيون من أكثر المواد المخدرة انتشاراً في العراق، وتأتي ومواد مخدرة أخرى غيرها عبر طرق مختلفة برية وجوية وبحرية.

وساهمت أسباب أخرى في تصاعد هذه الظاهرة، منها تقليص صلاحيات مُنتسبي المديرية العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، وقلة الكادر الأمني المتخصص والدوريات والسيطرات على حدود المدن، مع قلة الكلاب البوليسية وأبراج مراقبة الحدود الدولية، فضلاً عن افتقار الأجهزة الأمنية العراقية إلى أجهزة فحص المتعاطين للمخدرات، ما يؤثر على سير مكافحة المتهمين بالتعاطي، من ناحية تأخير حسم موقفهم، واحتمالية التلاعب في نتائج فحوصاتهم، وكل هذه المشاكل الرقابية والأمنية تعتبر أسباباً مباشرة لتعاظم تجارة المخدرات في العراق.(2)

ومن عوامل ازدهار هذه التجارة أيضاً تخوُّف الأجهزة الأمنية والتهديدات العشائرية، واختراق الجهود الاستخبارية، وتفكيك الأدلة الخاصة بهذه التجارة، إلى جانب قيام الجهات التي تقف خلف هذه التجارة، وتحديداً الفصائل المسلحة الموالية لإيران، بتهديد وترهيب أجهزة الأمن المختصة بملف المنافذ الحدودية والأخرى التي تلاحق تجار المخدرات. وساهم ضعف دور الأجهزة الأمنية في محاسبة شبكات تجارة المخدرات الرئيسة، في تعزيز ثقة هذه الشبكات بأنها فوق القانون، وأخذت تمارس سلوكيات حادة بالضد من الجهات الرسمية التي تقف بوجه هذه التجارة، وهو ما برز واضحاً في عملية اغتيال القاضي أحمد فصيل خصاف، المختص بقضايا مكافحة المخدرات في محكمة استئناف ميسان في 7 فبراير 2022، في مؤشر خطير على تصاعد نفوذ عصابات المخدرات في العراق.

التحديات التي تفرضها هذه الظاهرة على الواقع العراقي خطيرة جداً، خصوصاً بعد تحولها مؤخراً من مجرد ظاهرة تجارية إلى ظاهرة زراعية، وهو ما برز واضحاً في انتشار زراعة المخدرات في العديد من المدن العراقية، والتي تقف خلفها فصائل مسلحة موالية لإيران، وتحديداً في محافظات الأنبار والسماوة وديالى والبصرة والناصرية والكوت، وأبرزها مادة الخشخاش المخدرة ومادة الحشيشة، عبر استغلال مناطق البادية والمزارع والبساتين المأهولة، أو المناطق التي هُجِّر منها أهلها بسبب الأعمال العسكرية.(3) فضلاً عن إنشاء مراكز ومواقع خاصة لتوزيع هذه المخدرات في محافظات نينوى وكركوك، ففي نينوى وحدها يوجد أكثر من 460 مركزاً لتجارة المخدرات، حسب مديرية مكافحة المخدرات في المحافظة، مرتبطة بالفصائل المسلحة الموالية لإيران.(4) وهو ما يجعل من هذه الظاهرة تحدياً حقيقياً لا يقل خطورة عن تحدي التهديدات الإرهابية التي يواجهها العراق.

تحظى تجارة المخدرات في العراق بغطاء فصائلي وحزبي أسهم في توسيع نطاقها، حيث توظَّف إيراداتها لدعم النفوذ السياسي، أو لتغطية نفقات السلاح والتغلب على الإجراءات الحكومية

مصادر تجارة المخدرات وأساليبها

أولاً: على مستوى مصادر تجارة المخدرات: هناك عدة مصادر للمخدرات في العراق، وهي:

1) ) إيران: تبرز إيران بوصفها أحد أبرز مصادر تجارة المخدرات في العراق، وذلك عبر العديد من المناطق الحدودية، أبرزها محافظة ميسان والبصرة، باعتماد مشاحيف الأهوار (نوع من الزوارق المشهورة في الأهوار)، أو عبر منفذي الشيب والشلامجة(5) ، فضلاً عن منفذ بحري خاص لدخول المخدرات من إيران إلى العراق عبر منطقة "القصبة" على شط العرب في جزيرة الفاو، من خلال التعاون مع الفصائل المسلحة الموالية لها، ونفوذها على سير الأعمال في هذه المنافذ بقوة السلاح، هذا إلى جانب ابتكار طرق أخرى لنقل المخدرات مثل الطائرات المسيرة والموانئ البحرية، أو استغلال مواسم الزيارة الدينية. ويُوزَّع أغلب المخدرات الداخلة للعراق في بعض المحافظات، وجزءٌ منها يجري توريده إلى دول الجوا

2) ) الفصائل المسلحة الموالية لإيران: تستغل هذه الفصائل سيطرتها على مساحات جغرافية واسعة، وتحديداً في المدن المحررة من سيطرة تنظيم "داعش"، أو التي تشهد غياب سلطة الدولة، لزراعة أنواع مختلفة من المخدرات والإتجار بها، بإشراف مختصين إيرانيين وأفغان، فعلى سبيل المثال يتم استغلال المناطق الواقعة على مجرى نهر الفرات، وتحديداً ناحية جرف الصخر، في إنشاء مزارع ومعامل خاصة لتعليب المخدرات، وتوريد بعضها إلى المحافظات العراقية، ويُصدر البعض الآخر إلى الكويت والسعودية والأردن، فضلاً عن استحداث ممرات سرية لتوريد المخدرات، إذ استحدثت كتائب حزب الله العراقي مؤخراً منفذاً حدودياً مع سوريا "منفذ العارضة"، مهمته تسهيل تهريب المخدرات والكبتاغون والحشيشة، وتوزيعها عبر وكلاء غالبيتهم داخل العراق.

3) ) النظام السوري (السابق) و"حزب الله" اللبناني: بالنسبة للنظام السوري عبر استغلال للحدود البرية مع العراق(6)، وبالنسبة لحزب الله اللبناني عبر استغلال النقل الجوي مع العراق(7)، ويجري توزيعها داخل البلاد عبر وسطاء عراقيين، فضلاً عن نقلها إلى بعض دول الخليج والأردن، وتحديداً حبوب الكبتاغون.

4) ) تنظيم "داعش": يُعد التنظيم أحد الأطراف التي تمارس عملية الإتجار بالمخدرات العابرة للحدود، ويقوم بذلك عبر التعاون مع وسطاء محليين عراقيين من أجل تمويل عملياته العسكرية داخل العراق، كما يبرز نشاط التنظيم على الحدود السورية والتركية بصورة خاصة، إذ تمكنت السلطات التركية مؤخراً من ضبط أكبر شحنة من حبوب الكبتاغون حاول التنظيم تهريبها إلى الداخل التركي عبر الحدود السورية كانت قادمة من العراق.(8)

5) ) حزب العمال الكردستاني: يمارس الحزب دوراً مهماً في هذه التجارة، عبر استغلال وجوده في مناطق سنجار وربيعة باتجاه الحدود السورية، ومن ثم مدن الحسكة ودير الزور والرقة ومنبج التي تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، ومن خلال التخادم مع الفصائل المسلحة الموالية لإيران المنتشرة على طول الحدود العراقية السورية، لتيسير الرحلات والإشراف على عدم تعرضها للتفتيش على الحواجز التابعة لسيطرتهم.(9)

(6) جماعات الجريمة المنظمة: تشهد مناطق جنوب العراق، وتحديداً البصرة والسماوة، نشاطاً كبيراً لهذه الجماعات، وتحوُّلها إلى مركز للجريمة المنظمة وتجارة المخدرات التي تجد غطاء من بعض القوى النافذة، لاسيما الفصائل المسلحة الموالية لإيران (10)

ثانياً: على مستوى أساليب تجارة المخدرات: هناك أساليب متنوعة لهذه التجارة، من بينها:

استخدام الطائرات المسيرة في نقل المخدرات من محافظة إلى أخرى، أو من خارج العراق إلى الداخل، إذ طورت الجهات التي تقف خلف عمليات تجارة المخدرات من قدراتها في هذا المجال، عبر استخدام طائرات الاستطلاع لتأمين عملية النقل دون المرور بنقاط التفتيش الحكومية.

استخدام البواخر الناقلة للنفط والبضائع التي تغادر موانئ البصرة نحو بعض دول الخليج والعالم، والتي لا تخضع لعمليات المراقبة والتفتيش الروتينية.

استخدام صيادي الأسماك العراقيين الذين يستعملون الزوارق الصغيرة في شط العرب، وبالتنسيق مع صيادي الأسماك الكويتيين، إذ تقتصر حالات التهريب على حبوب الكرستال وبشكل محدود.

عن طريق تجار إيرانيين يهربونها للعراق عبر محافظتي البصرة والسماوة، ومن ثم تُنقل لباقي المحافظات من خلال وسطاء عراقيين، أو عبر محافظة كركوك ومن ثم تهرَّب إلى تركيا وصولاً إلى الدول الأوربية، أو عبر محافظة ديالى مروراً بمنطقة سهل نينوى بتسهيل من الفصائل المسلحة المتمركزة في المنطقة، ليتم ترويج جزء منها في المدينة، وعبور الباقي إلى بعض دول الخليج.

من خلال مهربين عبر الحدود العراقية مع سوريا، باستخدام أساليب الرعي بالأغنام، أو استخدام أنفاق تنظيم داعش لتهريب الأسلحة من سوريا إلى العراق، أو عبر الوديان والتلال الصحراوية باتجاه محافظة الأنبار.

تحوُّل العراق من ممر رئيس إلى بيئة حاضنة ومركز تصدير إقليمي للمخدرات، وارتباط هذه الظاهرة بتجارة السلاح وغسيل الأموال والتهريب، أضحى مثار قلق وعنصر تهديد لأمن دول الجوار

التداعيات السياسية والأمنية الداخلية

أسهمت تجارة المخدرات في تصاعد أعداد المتعاطين والمدمنين بنسب عالية جداً، وتحديداً في صفوف فئة الشباب، وما يدل على هذه النسب العالية، تصريح وزير الداخلية العراقي عثمان الغانمي، الذي أكَّد أن نسبة الشباب المتعاطين للمخدرات وصلت إلى 50%.(11) وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة تغلغلها داخل المؤسسات الأمنية أيضاً؛ إذ كشف مدير عام دائرة المخدرات والمؤثرات العقلية مؤخراً اللواء "مازن القريشي"، عن تسجيل حالات تعاطي المخدرات في صفوف الجيش والحشد الشعبي(12)

هذا التصاعد أسهم في تزايد أعداد الوفيات والقتل العمد خارج القانون والانتحار والاغتصاب والجريمة المنظمة في العديد من المدن العراقية.

أفرزت ظاهرة التحالف الزبائني التي نشأت بين تجار المخدرات والفصائل المسلحة والأحزاب النافذة، تداعيات خطيرة على الواقع الأمني والسياسي في العراق، عبر شيوع المظاهر المسلحة وتصاعد نسب اغتيال القضاة وعناصر أمنية واستخبارية معنية بملاحقة شبكات الاتجار بالمخدرات، وتحديداً في مدن بغداد ووسط وجنوب العراق.

أظهرت عملية إصدار عفو رئاسي عن نجل محافظ النجف "لؤي جواد الياسري" المتهم بتجارة المخدرات(13) ، ومن ثم فراره خارج العراق، طبيعة التعاطي السياسي مع هذه المشكلة، إذ وفَّر وجود الأحزاب النافذة في الحكومة والبرلمان غطاءً تتحرك من خلاله هذه التجارة والقائمين عليها، وهو ما أعطاها هامشاً للإفلات من العقاب، وتمرداً على سلطة الدولة.

أدَّى تحوُّل العراق من ممر رئيس إلى بيئة حاضنة ومركز تصدير إقليمي للمخدرات، فضلاً عن ارتباط هذه الظاهرة بظاهرة تجارة السلاح وغسيل الأموال والتهريب، إلى إمكانية أن يكون العراق عنصر تهديد للأمن القومي لدول الجوار، كما أن هذه الظاهرة قد تنعكس سلباً على علاقات العراق مع الدول والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، خصوصاً تلك التي تمتلك استثمارات في العراق، أو المرتبطة بالبنك المركزي العراقي، خاصةً عندما يتعلق الأمر بـ"الاقتصاد الموازي" الذي أنشأته هذه التجارة في العراق، إذ أصبحت السوق العراقية اليوم ذات جدوى اقتصادية وأمنية لتجار المخدرات.

الدور الحكومي الضعيف في مواجهة تجارة المخدرات

على الرغم من الجهود التي تمارسها الأجهزة الأمنية العراقية في مواجهة ظاهرة تجارة المخدرات، سواءً عبر تفكيك شبكات التجارة، أو ضبط شحنات قادمة من الخارج، أو حتى في إلقاء القبض على مُروجي المخدرات في الداخل، إلا أن هذه الجهود لا تزال دون مستوى إمكانية وضع حد لهذه المعضلة المتصاعدة، خصوصاً أنها تأتي مترافقة مع حالة عدم استقرار أمني وسياسي يعاني منها العراق.

وتشير الأعداد الكبيرة لشبكات تجارة المخدرات التي أعلنت الأجهزة الأمنية العراقية عن تفكيكها، والتي شملت إلقاء القبض على أكثر من 1300 تاجر ومتعاطي مخدرات خلال يناير الماضي.(14) وعدد معتقلين بلغ أكثر من 11 ألفاً و700 متهماً(15) ، إلى أن الإجراءات المعتمدة لا زالت بحاجة لمزيد من الضبط والشمولية، خصوصاً أن الحكومة العراقية تركز على معالجة هذه المعضلة بالأساليب الأمنية والاستخباراتية، دون إعطاء الآليات الاجتماعية والاقتصادية دوراً في هذا الإطار، ما وفَّر مجالاً لتنامي هذه الظاهرة في العراق.

وإلى جانب غياب مؤسسات التأهيل الصحي، وضعف الرقابة الحكومية على أنواع الأدوية الداخلة للعراق، لم يتم حتى الآن تعديل قانون مكافحة المخدرات العراقي الصادر عام 2017، من حيث ضرورة تشديد العقوبة على تجار المخدرات، وبالإطار الذي يسهم في عدم إمكانية تسهيل إفلاتهم من العقاب، فضلاً عن عدم وجود جهاز قانوني مختص، ودائرة استخبارات فاعلة في مجال مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، إلى جانب عدم قيام الحكومة العراقية بتوقيع اتفاقية إقليمية ودولية تسهم في تنسيق التعاون المشترك لمكافحة المخدرات، أو تسليم المشتركين فيها؛ وقد أدى كل ذلك إلى تعقيد جهود الحكومة العراقية في مواجهة هذا التحدي الخطير.(16)

وترافقَ تعاظم تجارة المخدرات في العراق مع ظواهر أخرى ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بهذه التجارة، وساهمت بدور رئيس في توسع نشاطها داخل العراق، وفي مقدمتها انتشار الفصائل المسلحة، وعدم تفكيك العلاقة الزبائنية التي نشأت خلال الفترة الماضية بين السلاح والمخدرات في العراق، إذ أشارت الأحداث الأمنية الأخيرة التي شهدتها محافظة ميسان إلى قوة هذه العلاقة، حيث أظهرت حالات ضعف وفساد الأجهزة الأمنية واختراقها من قبل الفصائل المسلحة، إلى جانب تطوُّر أسلحة تجار المخدرات وكفاءتها مقارنة بالأسلحة التي يمتلكها حرس الحدود العراقي(17) ، خطورة هذه الظاهرة؛ وهو ما تؤكده المواجهات المسلحة المتكررة التي تقع بين شبكات المخدرات والأجهزة الأمنية، في محافظات ميسان أو البصرة، أو على الشريط الحدودي بين العراق وإيران.

وغياب التدقيق الحكومي للميزانيات المالية الكبيرة التي تتمتع بها الأحزاب النافذة في العراق، جعل هذه الأحزاب تجد في تجارة المخدرات مدخلاً مالياً مهماً لدعم نفوذها، والفصائل المسلحة المرتبطة بها، وبالإطار الذي مكَّن هذه الأحزاب من بناء "اقتصاد موازي" لاقتصاد الدولة، وسهَّل عليها مواجهة الإجراءات الحكومية التي تهدف لاحتوائها، سواءً الاقتصادية أو المالية أو الإدارية، إذ تطورت العلاقة التي تربط تجار المخدرات ببعض الأحزاب النافذة منذ عام 2003، بحيث تحولت من مجرد تجارة فردية أو شبكات محدودة، إلى علاقة واسعة النطاق تضم شبكات سياسية وفصائلية وحزبية، وبالمستوى الذي جعل دور الأجهزة الأمنية محدوداً للغاية في تفكيك هذه التجارة وشبكاتها المعقدة.

عبر توظيفها دور الفصائل المسلحة العراقية في تجارة المخدرات، تحاول إيران جعل دول الخليج محطة مرور نشطة لهذه التجارة غير المشروعة، وبحيث تكون رابطاً بين أفغانستان والقارة الأوروبية 

الانعكاسات على دول الخليج

أدَّى ضعف سيطرة الحكومة العراقية على المنافذ الحدودية، وهيمنة الفصائل المسلحة عليها، وفساد ورشوة بعض العناصر الأمنية العاملة في المخافر الحدودية، فضلاً عن فتح ممرات وثغرات أمنية عبر الحدود، إلى تسهيل مرور كميات كبيرة من الحبوب المخدرة، وتحديداً حبوب الكبتاغون، إلى الكويت والسعودية، وتشكيل لوبي مخدرات عابر للحدود مع تجار المخدرات في هذه الدول، لتسهيل تمرير المخدرات إلى دول الخليج الأخرى.

تُعد طرق التهريب البرية الممرات الأكثر أماناً لتجار المخدرات ومُهربيها، الذين يمارسون هذه التجارة بحرفية عالية عبر الطرق الصحراوية الحدودية، وتعد المنطقة الممتدة ما بين "أم قصر وجبل سنام" على الحدود العراقية الكويتية، إلى جانب المنطقة المسماة بـ "مقبرة الأسلحة" على المثلث الحدودي العراقي الكويتي السعودي، أكثر المناطق شيوعاً لمرور وعبور المخدرات لدول الخليج.

تتنوع أساليب عبور المخدرات إلى الكويت والسعودية، سواءً عبر استخدام الخنادق التي كانت موجودة خلال حرب الخليج الثانية، أو استخدام عمليات التمويه أو تشتيت جهود حرس الحدود العراقي، أو استخدام سفرات الصيد أو التعاون بين مهربين عراقيين وأدلاء بدو لتسهيل عملية عبور المخدرات، إذ تستخدم الفصائل المسلحة نفوذها الأمني في هذه المناطق، وتحديداً في النخيب وبادية السماوة، سواءً عبر تصدير المخدرات من داخل العراق، أو تسهيل عبور تلك القادمة من سوريا عبر الصحراء.

إلى جانب التداعيات الاجتماعية والأمنية التي قد تنتج عن تجارة المخدرات العابرة في دول الخليج، تستهدف إيران عبر توظيف دور الفصائل المسلحة العراقية في هذه التجارة، إلى جعل دول الخليج وتحديداً السعودية محطة مرور تربط بين أفغانستان مروراً بالخليج حتى جنوب وشرقي أوروبا  (18).

ما يزيد من خطورة هذه الظاهرة على دول الخليج، أنها أصبحت المستهدف الرئيس لها، ووفقاً لتقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن أكثر من نصف كمية الكبتاغون المضبوطة في الشرق الأوسط بين أعوام 2015 و2019 كانت في السعودية(19). ورغم الجهود التي تمارسها دول الخليج، سواءً عبر تشديد الإجراءات الأمنية، أو تأمين الحدود البرية والبحرية، إلا أن تصاعُد نسبة تفكيك شبكات المخدرات في دول الخليج، يشير إلى خطورة هذه الظاهرة وتحدياتها الكبيرة(20).

خلاصة واستنتاجات

ساهمت الظروف التي مر بها العراق بعد عام 2003 في تعاظُم تجارة المخدرات، وتحوُّل العراق إلى مورد رئيس لمختلف أنواع المخدرات العابرة للحدود في الآونة الأخيرة. وما يزيد من خطورة هذه المعضلة، فضلاً عن اتساعها وانتشارها، أنها أصبحت تحظى بغطاء فصائلي وحزبي، وذلك من أجل الحصول على عوائد مالية كبيرة بأقل الجهود والخسائر، سواء لدعم النفوذ السياسي، أو لتغطية نفقات السلاح والتغلب على الإجراءات الحكومية، أو لتحقيق أطماع شخصية تتعلق بتشكيل فصائل جديدة وتمويلها، أو لتعويض العجز الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية في تمويل عمليات الفصائل الكبرى في العراق وسوريا.

وعدم نجاح جهود احتواء هذه الظاهرة، جاء ليس بسبب ضعف الإجراءات الحكومية فحسب، وإنما بسبب أن جميع الحكومات السابقة تجنَّبت الاصطدام الفعلي معها، باستثناء الإجراءات الإدارية والأمنية المحدودة التي اعتمدتها حكومة مصطفى الكاظمي في الفترة الماضية، كونها اقتصرت على صغار التجار، وعدم ملاحقة المتورطين الرئيسين فيها، وذلك بفعل شبكة العلاقات الوثيقة التي تمتلكها شبكات تجارة المخدرات، بحيث أضحت هذه الشبكات محمية من قبل حلفاء داخليين (فصائل مسلحة، وأحزاب نافذة)، ورُعاة إقليميين (إيران، وسوريا، و"حزب الله" اللبناني)، وهو ما أغرق الشارع العراقي في مشكلات عدة جراء ترويج ونقل المخدرات، واتساع رقعة الجريمة المنظمة، والمشكلات الاجتماعية والأمنية المختلفة، فضلاً عن تحويل الأراضي العراقية ذاتها إلى عامل تهديد أمني محتمل للجوار  الإقليمي (لاسيما منطقة الخليج العربي) في ظل التوظيف السياسي لظاهرة تجارة المخدرات وترويجها، وضعف آليات مكافحتها داخلياً، وعدم تبلور مقاربة إقليمية أوسع للتعامل مع هذا التهديد الآخذ في التنامي.

المصادر

[1] أحمد السهيل، "المخدرات تفتك بالمجتمع العراقي وإجراءات الحكومة أقل من الكارثة"، إندبندنت عربية، 25 ديسمبر 2020. https://bit.ly/3szOnEr

[2] تورط إيران والمليشيات في تجارة المخدرات بالعراق"، تي أر تي عربي، 12 أبريل 2021. https://bit.ly/3HAbKly

[3] مخدرات من إيران إلى العراق"، موقع العربي الجديد، 23 يونيو 2021. https://bit.ly/37r5MXZ

[4] المخدرات تفتك بشباب الموصل بدعم من «فصائل طهران»"، صحيفة الشرق الأوسط، 28 يوليو 2021. https://bit.ly/3vAMQ2Q

[5] مخدرات تتغلغل بين الشباب في العراق.. وحدود إيران مفتوحة،" العربية نت، 5 فبراير 2022. https://bit.ly/3C79fpO

[6] تحقيق صحافي يكشف تورط أقارب بشار الأسد في تصدير حبوب الكبتاغون للخليج"، العربي الجديد، 5 ديسمبر 2021. https://bit.ly/3pB99lo

[7] سوق المخدرات: مهرّبون يستغلون النافذين"، صحيفة الأخبار اللبنانية، 2 فبراير 2019. https://bit.ly/370K2Sz

[8] "İskenderun'da 313 milyon lira değerinde uyuşturucu yakalandı," ABC Gazetesi, 16 May 2021. https://bit.ly/3tpjtxJ

[9] المخدرات في مناطق "قسد".. خطر متفاقم يهدد المجتمع والأمن والاقتصاد شرقي سوريا"، موقع سوريا، 31 أكتوبر 2021. https://bit.ly/3tjFfCY

[10] اغتيال قاض في محافظة ميسان يدق جرس إنذار عن تنامي أخطبوط المخدرات جنوب العراق"، صحيفة العرب، 7 فبراير 2022. https://bit.ly/35ps4Zt

[11] وزير الداخلية العراقي: أكثر من 50 بالمئة من الشباب العراقي يتعاطون المخدرات"، لقاء مع قناة الإخبارية العراقية، 14 ديسمبر 2021. https://bit.ly/35KYnSV

[12] مديرية ’المخدرات’ تتحدث عن ’القنبلة الموقوتة’: سجّلنا تعاطيا في صفوف الجيش والحشد"، ناس نيوز، 27 ديسمبر 2021. https://bit.ly/3pxPQJv

[13] عفو رئاسي عن نجل محافظ النجف السابق"، صحيفة الشرق الأوسط، 27 فبراير 2022. https://bit.ly/3J2m8nI

[14] العراق.. القبض على 1300 تاجر ومتعاطي مخدرات في يناير"، وكالة الأناضول، 15 فبراير 2022. https://bit.ly/35stAtR

[15] ملف المخدرات: تسونامي في العراق"، راما نيوز، 26 فبراير 2022. https://bit.ly/3MiUzsk

[16] انتشار المخدرات في العراق.. من دولة عبور إلى إدمان الكريستال والحشيش"، العين الإخبارية، 29 مارس 2022. https://bit.ly/3vK0HEk

[17] أسلحة تجار المخدرات أكثر كفاءة من أسلحة حرس الحدود"، باس نيوز، 12 فبراير 2022. https://bit.ly/3Cf3ZRd

[18] حرب المخدرات على دول الخليج"، العربية نت، 26 أبريل 2021. https://bit.ly/3KC1NGi 

[19] Saudi Arabia Is the Middle East’s Drug Capital, Foreign Policy, 20 December 2021. https://bit.ly/35TLNkn

[20] آفة العصر".. كيف تعاونت دول الخليج بمكافحة تهريب المخدرات؟"، الخليج أون لاين، 26 أبريل 2021. http://khaleej.online/MD3mZw

فراس إلياس

25 مارس 2022

المصدر -مركز الإمارات للسياسات

تنويه: تُعبِّر وجهات النظر المنشورة عن آراء كُتَّابها.