الرسائل الخاصة بين الملكية الفردية والحق العام: إشكالية أخلاقية وأرشيفية

تعليق المركز : الخصوصية حق من حقوق الإنسان لا يجوز إنتهاكها ، المادة (17/أولاً) من الدستور والمادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي نصت على : 1. لا يحوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته. 2. من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس.

Blog

الرسائل الخاصة بين الملكية الفردية والحق العام: إشكالية أخلاقية وأرشيفية

تُعدّ الرسائل الشخصية أحد أكثر أشكال التعبير الإنساني حميميةً وهشاشة، إذ تُكتب غالبًا في لحظات انكشاف نفسي، أو ضيق، أو شوق، أو اعتراف، حين يظن الكاتب أن الورق – أو المخاطَب – هو الحارس الأمين للسر. غير أن هذه الرسائل، بعد مرور العقود وغياب أصحابها بالموت، كثيرًا ما تنتقل من فضاء الخصوصية إلى حيّز الأرشيف، لتتحول من أثر شخصي إلى وثيقة تاريخية، ومن خطاب وجداني إلى مادة للبحث أو التداول العام.

من هنا يبرز السؤال الأخلاقي والإشكالي معًا:

من يملك الحق في التصرف بالرسائل الخاصة بعد وفاة كاتبيها؟

هل هو المتلقي الأصلي؟

أم ورثته؟

أم المؤسسة التي تحفظها؟

أم “الحق العام” حين يكون المرسِل شخصية عامة أو فاعلًا ثقافيًا مؤثرًا؟

لقد أظهر تاريخ الأرشفة الحديثة – لا سيما مع صعود الرأسمالية الثقافية – كيف تحوّلت الوثائق الخاصة إلى سلع رمزية، تُباع وتُشترى، وتُعرض في المزادات، وتُستثمر معرفيًا واقتصاديًا، أحيانًا دون اعتبار كافٍ للسياق الوجداني الذي كُتبت فيه، أو لافتراض الخصوصية الذي قام عليه فعل الكتابة ذاته.

تزداد هذه الإشكالية تعقيدًا حين تتضمن الرسائل اعترافات شخصية، أو توسلًا عاطفيًا، أو كشفًا لأسرار ظنّ أصحابها أنها لن تتجاوز حدود العلاقة الثنائية. فهل يجوز أخلاقيًا نشرها أو بيعها؟

وهل يحق للباحث أو القارئ – وهو غالبًا غريب عن الطرفين – أن يطّلع على هذا النوع من الخطاب الحميمي باسم المعرفة أو التاريخ؟

تنطلق هذه الأسئلة من تجربة شخصية معاصرة، حين عُرض اقتناء أرشيف خاص وُصف من قِبل مؤسسة بحثية عالمية مرموقة بأنه “أرشيف مهم مهدد بالاندثار”. ورغم أن العرض كان قائمًا على التبرع لا البيع، وبعد مفاوضات امتدت لأكثر من عام، جاء قرار الرفض انطلاقًا من قناعة أخلاقية مفادها أن الحفاظ على الوثيقة بوصفها ذاكرة حيّة يتجاوز قيمتها المؤسسية أو السوقية.

يضم هذا الأرشيف ذاكرة العراق الحديثة، وذاكرة الحراك الثقافي العربي–الأوروبي، ولا سيما الألماني، في سياق المنفى، بما يجعله ذا أهمية للباحثين في العالم العربي والغرب على السواء. ومع ذلك، ظل السؤال القَلِق حاضرًا:

هل يُسلَّم الأرشيف لمؤسسة تحفظه؟

أم يُحجَب اتقاءً لانتهاك الخصوصية؟

أم يُتلف، في فعل احتجاجي راديكالي، يحرم الآخرين من المعرفة لكنه يحمي الذاكرة من الاستهلاك؟

تزداد المعضلة حدّةً في ظل غياب بنى مهنية قادرة على حفظ الأرشيف في البلدان الأصلية، حيث تفتقر المؤسسات إلى الإمكانيات التقنية والأخلاقية، كما تشهد تجارب مؤلمة أُهديت فيها مخطوطات نادرة، ليُساء حفظها بوسائل بدائية لا تليق بوثائق يتجاوز عمر بعضها ثمانية قرون.

وتبلغ الإشكالية ذروتها حين يحتوي الأرشيف رسائل خاصة من شخصيات ثقافية وفكرية باتت اليوم جزءًا من الذاكرة العامة، مثل محمود درويش، جبرا إبراهيم جبرا، غونتر غراس،  ادونيس  ، سميح القاسم وغيرهم. فهل تمنح “الصفة العامة” لهؤلاء شرعية تحويل رسائلهم الخاصة إلى مادة للنشر والدراسة؟ أم أن الموت لا يُسقط الحق الأخلاقي في الخصوصية؟

إن هذه الأسئلة لا تستدعي فتاوى جاهزة، بقدر ما تتطلب تأسيس أخلاقيات أرشيفية جديدة، تقوم على التوازن بين حق الذاكرة، وحرمة الاعتراف، ومسؤولية الحفظ، بعيدًا عن منطق السوق أو الفضول المعرفي المجرد.

أمل الجبوري 

تعليق المركز :

الخصوصية حق من حقوق الإنسان لا يجوز إنتهاكها ، المادة (17/أولاً) من الدستور والمادة (17)  من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي نصت على : 

1لا يحوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته.

2. من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس.