بين السياسة … و شوربة الكوارع بالمرق الساخن…

لم أكن أتخيل يومًا أن شوربة الكوارع يمكن أن تُدرّس في فلسفة العلاقات الاجتماعية ، أو تُدرج ضمن مقررات فن التعايش السلمي في وطن لا تنضج فيه إلا الخلافات .

Blog

بين السياسة … و شوربة الكوارع بالمرق الساخن… 

لم أكن أتخيل يومًا أن شوربة الكوارع يمكن أن تُدرّس في فلسفة العلاقات الاجتماعية ، أو تُدرج ضمن مقررات فن التعايش السلمي في وطن لا تنضج فيه إلا الخلافات .

القصة بدأت حين اختلفت مع جاري ، ذاك الرجل الطيب الذي لم تجمعني به خصومة منذ عرفته ، اختلفنا حول المرشحين السياسيين . لم يكن الخلاف كبيرًا ، مجرد اختلاف وجهات نظر ، لكنه أخذ بالتخمر مثل قدر تُرك على النار بلا مراقبة .

صار يرمقني من بعيد بنظراتٍ عميقة، نظراتٍ تشبه تلك التي يُلقيها الجزار على آخر قطعة لحمة في السوق . كنت أشعر بثقلها على كتفيّ، وأتخيله يقول في سره:

وأعترف أنني كنت أفكر بالمثل:

تبا لك من جار … لا شك انك تريد هدم اركان الوطن وتخريبه بأختيارك المختلف هذا 

لكن القدر، وأقصد هنا قدر السياسة لا قِدر الحساء، شاء أن نلتقي في المركز الانتخابي...

نظرت إليه… فنظر إليّ.

ابتسمت ، فابتسم … 

وفي لحظة عفوية تعانقنا كما لو أننا استعدنا وطنًا كاملاً ، لا صوت فيه إلا ضحكة الجيران .

نسينا المرشح الذي اختلفنا لأجله ، وتذكرنا أننا نحن من نُنتخب في النهاية… لنكون وطنا لا كراهة فيه .

بعد التصويت ، دعاني جاري على غداء دسم ، فاعتذرت منه لأنني كنت قد تغديت مسبقًا. وعندما عدت إلى البيت متصالحًا مع نفسي ، فإذا بي أجد طبقا كبيرا من الكوارع الساخنة بانتظاري على الباب ، هدية من جاري الطيب ، الذي يبدو أنه قرر أن يعبر عن وحدة الموقف بطريقة أشهى من البيان الانتخابي ، وبطريقة افضل من المناورة السياسية .

جلست على المائدة أتأمل الطبق البخاري وأفكر… 

كم نحن أغبياء حين نختلف على الساسة الذين لم يطبخوا لنا سوى الوعود ، بينما يمكننا أن نجتمع على صحن كوارع مليء بالمحبة والبخار والنية الطيبة.

تأملت المرق الساخن وقلت في نفسي… 

 يا ليت السياسيين يتعلمون من الكوارع فمهما كانت قاسية في البداية ، فهي لا تلين إلا على نار الود والصبر .

عندها قررت أن أجعل الكوارع معيارا جديدا للعلاقات الوطنية.

إذا اختلفت مع أحد ، لا ترد عليه بخطاب سياسي ، بل بطبق دسم من المحبة ، ممهور برشة كمّون وابتسامة صافية .

ففي النهاية، لا السياسيون يدومون ، ولا الحملات الانتخابية تدوم، لكن طعم المودة على مائدة الجيران، يدوم ويدوم ويدوم .

       الكاتب والصحفي… 

           شلال الطائي