المجاري المائية المشتركة بين الدول.. القانون الدولي طريق للتفاهم لا للصدام
قبل أيام، تم توقيع اتفاق جديد بين العراق وتركيا حول موضوع المياه، وقد لفت انتباهي أن بنود الاتفاق تتضمن ما يشير إلى قيام الجانب التركي بإدارة المياه داخل العراق.
المجاري المائية المشتركة بين الدول.. القانون الدولي طريق للتفاهم لا للصدام
قبل أيام، تم توقيع اتفاق جديد بين العراق وتركيا حول موضوع المياه، وقد لفت انتباهي أن بنود الاتفاق تتضمن ما يشير إلى قيام الجانب التركي بإدارة المياه داخل العراق.
ومن واقع خبرتي الطويلة في هذا الميدان، أود التأكيد أن العراق يمتلك من الكفاءات والخبرات الفنية ما يؤهله لإدارة موارده المائية بكفاءة عالية، إذ كان على مدى تاريخه من الدول الرائدة في مجال الري والهندسة الهيدروليكية.
لقد نفّذت كوادر وزارة الري العراقية أعقد المشاريع المائية، مثل سد العظيم وسدة العمارة ومشروع ماء البصرة، إلى جانب آلاف مشاريع استصلاح الأراضي والسدود والخزانات التي تشهد على قدرة عراقية مشهودة في إدارة المياه، سواء في سنوات الوفرة أو في سنوات الشحّ.
ومن هذا المنطلق، أتناول هنا – بموضوعية ووفق القانون الدولي – قضية المجاري المائية المشتركة بين الدول، وموقع العراق ضمن هذا الإطار القانوني، بعيدًا عن الاتهامات أو الانفعال، سعيًا لترسيخ الفهم الصحيح الذي تقوم عليه العلاقات المائية بين الدول المتشاطئة.
المجرى المائي الدولي في القانون الدولي
عرّفت اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية المجرى المائي الدولي بأنه:
“نظام المياه السطحية والجوفية الذي تتجاوز أجزاؤه حدود دولة واحدة”.
وبناءً على هذا التعريف، فإن النهر الذي يجري في أكثر من دولة لا يُسمّى “عابرًا للحدود”، بل مجرى مائي دولي، والدول التي تقع عليه تُعرف بـ الدول المتشاطئة (Co-riparian States).
هذا المصطلح يعكس مبدأ المشاركة في الحقوق والمسؤوليات، لا التبعية أو السيطرة من طرف على آخر، وهو ما يشكّل جوهر القانون الدولي للمياه.
الحقوق والواجبات بين الدول المتشاطئة
القانون الدولي للمياه، كما تجسّده اتفاقية 1997، يقوم على أربعة مبادئ أساسية تنظّم العلاقة بين الدول المتشاطئة:
1. الانتفاع المنصف والمعقول:
يحق لكل دولة أن تستخدم مياه المجرى المائي استخدامًا منصفًا ومتوازنًا، مع مراعاة حاجات ومصالح الدول الأخرى.
2. عدم التسبّب بضرر جسيم:
لا يجوز لأي دولة أن تنفّذ مشروعات على المجرى المائي تُلحق ضررًا ماديًا كبيرًا بدول أخرى تشترك معها في النهر.
3. الإخطار والتشاور المسبق:
يجب على الدولة التي تنوي إقامة مشروع مؤثر على تدفق المياه أن تُخطر الدول الأخرى مسبقًا وتقدّم الدراسات الفنية اللازمة.
4. التعاون وتبادل المعلومات:
يُلزم القانون الدول المتشاطئة بالتعاون المستمر وتبادل البيانات الهيدرولوجية والمناخية بما يضمن إدارة رشيدة ومستدامة للمورد المائي.
المجاري المائية المشتركة في العالم
يُقدّر أن في العالم أكثر من 260 مجرى مائي دولي تتقاسمها نحو 145 دولة.
ورغم هذا التشابك الكبير، أثبتت التجارب أن التعاون القانوني والعملي ممكن وفعّال متى ما استند إلى الثقة والشفافية.
نماذج ناجحة للتعاون المائي
1. نهر الدانوب (أوروبا):
عشر دول تتقاسم هذا النهر، وتُديره لجنة دولية بموجب اتفاقية حماية نهر الدانوب (1994)، وهو مثال على الإدارة المشتركة الناجحة.
2. نهر السند (الهند وباكستان):
رغم التوترات السياسية، حافظ البلدان على التعاون المائي استنادًا إلى اتفاق نهر السند لعام 1960 برعاية البنك الدولي.
3. نهر السنغال (غرب أفريقيا):
أنشأت الدول الأربع المتشاطئة منظمة موحدة هي منظمة استثمار نهر السنغال (OMVS)، وتُعد من أنجح تجارب الشراكة المائية في القارة.
نماذج ما زالت تشهد خلافات
1. نهر النيل:
لا تزال الخلافات قائمة بين دول المنبع والمصب حول تقاسم الحصص ومشروع سد النهضة، رغم وجود إطار قانوني عام ينظم الاستخدامات.
2. نهرا دجلة والفرات:
تشترك فيها تركيا وسوريا والعراق، لكن لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق شامل يحدد بدقة حصص كل دولة، رغم أن القانون الدولي يُلزم دول المنبع بإخطار دول المصب والتشاور معها قبل تنفيذ المشاريع الكبرى.
التوصيف القانوني الصحيح
إن تسمية الأنهار التي تجري بين دولتين أو أكثر بأنها “عابرة للحدود” لا تعبّر عن المفهوم القانوني الصحيح، لأنها توحي بأن المياه تمرّ مرورًا مؤقتًا عبر أراضي دولة ما، بينما في الواقع هي مياه مشتركة تُدار بالتفاهم بين دول متشاطئة ذات حقوق متساوية.
القانون الدولي لا يمنح دولة المنبع حق التصرف المنفرد، كما لا يمنح دولة المصب سلطة الاعتراض المطلق؛ بل يُلزم الطرفين بمبدأ الانتفاع المنصف وعدم الإضرار، وبضرورة الإخطار المسبق والتعاون.
الخاتمة: من حروب المياه إلى تفاهمات المياه
كثيرًا ما يُثار الحديث عن “حروب المياه” في المستقبل، لكن التجارب الدولية تؤكد أن التفاهم المستند إلى القانون هو الطريق الآمن لضمان الحقوق.
المياه ليست ساحة تنازع بل مورد حياة مشترك، وإذا أُديرت بحكمة وعدالة يمكن أن تكون جسرًا للتعاون الإقليمي لا سببًا للصراع.
إن احترام القانون الدولي للمجاري المائية المشتركة هو السبيل الأمثل لضمان الأمن المائي للعراق والمنطقة، وحماية مصالح جميع الشعوب المتشاطئة على ضفاف الأنهار
المهندس محمود ذياب الاحمد..وزير ري سابق
(محمود ذياب الأحمد المشهداني (1953 الموصل) ، مهندس مدني وسياسي عراقي ودبلوماسي سابق، شغل منصب آخر وزير داخلية في فترة حكم الرئيس الراحل صدام حسين، يمقيم في أربيل – اقليم كردستان
المناصب السياسية
شغل منصب وزير الزراعة في فترة حرب الخليج الثانية. في أيلول 1991، شغل لاحقا منصب وزير الإسكان والتعمير ثم وزير الري إذ كان له دور بارز في التفاوض مع تركيا وسوريا حول الحقوق المائية في نهري دجلة والفرات.
في 28 أيار 2001، خلف محمد زمام عبد الرزاق في منصب وزير الداخلية، ليستمر في المنصب حتى احتلال العراق. ترك محمد زمام عبد الزراق منصبه في وزارة الداخلية ليتفرغ لمنصب مسؤول تنظيمات حزب البعث العربي الاشتراكي في محافظة نينوى ومحافظة التأميم. أما منصب وزير الري فقد شغله رسول عبد الحسين سوادي خلفا لمحمود ذياب الأحمد
إعتقاله والإفراج عنه
أدرج اسمه في قائمة العراقيين المطلوبين لدى الولايات المتحدة، واعتقل بعد احتلال العراق في الثامن من آب من عام 2003، في عام 2005، وجهت له تهمة في قضية الأهوار. أفرج عنه في تموز 2012 بعد أن أنهى فترة الحكم الصادر بحقه، خلال فترة اعتقاله وقع على بطاقة لعب تحمل صورته لصالح الرقيب مارك هاينبو. إذ كان محكوما بالسجن 7 سنوات.)