عنف أسري خلف الأبواب المغلقة.. ماذا عن العراق؟
امرأة من بين كل ثلاث نساء حول العالم تتعرّض لشكل من أشكال العنف داخل المنزل. هذه النسبة المقلقة تعكس حجم المشكلة على مستوى المجتمع بأكمله، لا على مستوى العائلة فقط.
عنف أسري خلف الأبواب المغلقة.. ماذا عن العراق؟
يُعتبَر مُصطلح “عنف أسري” جرح صامت لا يُرى بالعين، لكنه يُدمّر الأرواح يومًا بعد يوم يبدأ من الانفصال العاطفي. خلف الأبواب المغلقة، تتكرّر القصص نفسها بأشكال مختلفة: زوجة تُهان بالكلمة، وتُعاقب بالصمت، أو تُهدَّد بالعزلة. كثيرات لا يدركن أنهن يعشن نوعًا من العنف، لأن الألم لا يأتي دائمًا على شكل كدمة. أحيانًا يأتي على شكل خوفٍ مستمر، أو إحساسٍ بعدم القيمة.
في هذا المقال، سنتناول خمس نقاط أساسية تشرح أوجه العنف الأسري، وأنواعه، وآثاره على النفس والجسد، والعوامل التي تغذّيه، وطرق مواجهته. كما سنتطرّق إلى أحدث الدراسات العلمية حول تأثيره على النساء والأطفال. مع تقديم نصائح عملية تساعد على كسر دائرة الخوف والصمت.
ما هو العنف الأسري؟
يُعرَّف العنف الأسري علميًا بأنّه أيّ سلوك عدواني أو قهري يمارسه أحد أفراد العائلة ضد الآخر. وذلك بهدف السيطرة أو الإيذاء الجسدي أو النفسي أو العاطفي. يشمل ذلك الضرب، والإهانة، والتحكّم في القرارات، والمنع من التواصل مع الآخرين، والتهديد المستمر.
تشير منظمة الصحة العالمية (WHO, 2023) إلى أنّ امرأة من بين كل ثلاث نساء حول العالم تتعرّض لشكل من أشكال العنف داخل المنزل. هذه النسبة المقلقة تعكس حجم المشكلة على مستوى المجتمع بأكمله، لا على مستوى العائلة فقط.
نقطة مهمة: العنف لا يكون جسديًا فقط. هناك عنف نفسي يدمّر الثقة بالنفس. واقتصادي يمنع المرأة من الاستقلال المادي. وعاطفي يجعلها تشكّ في ذاتها وقدرتها على اتخاذ القرار.
نقطة أخرى: استمرار هذا النمط يؤدي إلى دائرة مغلقة من الخضوع والخوف، يصعب كسرها من دون دعم نفسي واجتماعي.
وبحسب دراسة منشورة في مجلة The Lancet Public Health (2022)، فإن النساء اللواتي يتعرّضن للعنف المنزلي ترتفع لديهنّ معدّلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم بنسبة تفوق 70% مقارنة بغيرهن.
الأنواع المتعددة للعنف الأسري
يتّخذ العنف أشكالًا عديدة، وغالبًا ما يبدأ صغيرًا ثم يتصاعد تدريجيًا:
العنف الجسدي: مثل الضرب أو الدفع أو استخدام الأدوات لإيذاء الجسد. هذا الشكل الأكثر وضوحًا وغالبًا ما يُترك أثرًا مرئيًا.
العنف اللفظي: يتمثل في الإهانات، والسخرية، والانتقاص من القيمة. هذه الألفاظ تُحدث جروحًا داخلية أعمق من أي أثر جسدي.
العنف النفسي: يشمل التهديد، والمراقبة، والعزلة القسرية، والتحكّم في المظهر أو العلاقات أو القرارات اليومية.
العنف الاقتصادي: حين يُمنع الطرف المتضرّر من المال، أو يُجبر على تسليمه بالكامل.
العنف الجنسي: وهو من أكثر الأنواع إيلامًا، لأنه يدمّر الشعور بالأمان والثقة داخل العلاقة.
كل نوع من هذه الأنواع يترك أثرًا تراكميًا على الضحية، ويؤدّي مع الوقت إلى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) أو فقدان الإحساس بالذات.
نقطة توضيحية: لا يمكن فصل هذه الأنواع عن بعضها، فهي غالبًا تتداخل وتتعزّز فيما بينها داخل بيئة العائلة المغلقة.
العوامل التي تغذّي العنف داخل الأسرة
تؤكّد الأبحاث أنّ العنف الأسري لا ينشأ من فراغ. هناك مجموعة من العوامل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تهيّئ له بيئة خصبة:
الضغوط الاقتصادية: البطالة أو الفقر أو الديون تزيد من التوتّر وتدفع بعض الأفراد إلى تفريغ الغضب في المنزل.
ضعف الثقافة الأسرية: الجهل بحقوق الزوجة أو الأبناء، أو الاعتقاد الخاطئ بأن الرجل يملك السلطة المطلقة داخل البيت.
السوابق العائلية: كثير من المعتدين عاشوا طفولة مليئة بالعنف، ما يجعلهم يكرّرون السلوك نفسه لاحقًا.
الإدمان: سواء على الكحول أو المخدرات أو حتى الأجهزة الإلكترونية، يزيد من احتمالية الانفعال وسوء السيطرة على النفس.
بيّنت دراسة من جامعة هارفارد (2021) أنّ الأطفال الذين يشهدون عنفًا منزليًا أكثر عرضة بنسبة 30% لأن يصبحوا معتدين أو ضحايا في المستقبل، ما يعني أنّ العنف ينتقل عبر الأجيال.
نقطة أساسية: الصمت هو العامل الأقوى الذي يسمح للعنف بالاستمرار. فكلّ مرّة تُبرّر فيها الضحية الإساءة، تترسّخ دائرة السيطرة أكثر.
الآثار النفسية والجسدية للعنف الأسري
تُظهر الدراسات أن التعرض المستمر للعنف يُحدث تغييرات فعلية في الدماغ والجهاز العصبي.
وفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض (CDC, 2023)، النساء اللواتي يعانين من العنف المنزلي أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والسكري، واضطرابات الهضم.
كما ترتفع لديهنّ نسبة الإصابة بالاكتئاب المزمن، واضطرابات ما بعد الصدمة، وفقدان الثقة بالنفس.
أما على الصعيد النفسي، فالعنف يولّد شعورًا بالعجز، ويمحو القدرة على اتخاذ القرار. المرأة تبدأ بتصديق الأكاذيب التي تُقال عنها، وتشعر بأنها لا تستحق الاحترام.
نقطة مهمة: حتى الأطفال الذين يشهدون العنف من دون أن يتعرّضوا له مباشرةً يتأثرون عميقًا. إذ يعانون من القلق والتأتأة واضطرابات النوم.
نقطة ثانية: النساء اللواتي يغادرن العلاقات المؤذية دون علاج نفسي قد يواجهن صعوبة في بناء ثقة جديدة أو علاقات صحية مستقبلًا.
تُشير دراسة من جامعة أكسفورد (2020) إلى أنّ التدخّل المبكر والعلاج السلوكي يقلّلان من العواقب النفسية بنسبة 60%، ما يُبرز أهمية الدعم المتخصص.
كسر الصمت وطلب المساعدة
كسر دائرة العنف الأسري يتطلّب شجاعة، لكن الأهم هو وجود دعم فعلي وآمن.
أول خطوة هي الاعتراف بأن ما يحدث غير طبيعي وغير مقبول.
ثانيًا، طلب المساعدة من جهات موثوقة: الجمعيات النسائية، والمراكز النفسية، وخطوط الدعم الوطني.
ثالثًا، بناء شبكة دعم من الأصدقاء أو الأقارب الموثوقين، وعدم مواجهة المعتدي وحدك.
وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women, 2024)، التبليغ المبكر عن حالات العنف يقلّل من احتمالية تكراره بنسبة تصل إلى 40%. كما أن المجتمعات التي تشجّع النساء على التحدث تُقلّل من معدّلات العنف بشكل واضح.
نقطة ختامية: الوعي هو الحصن الأول. حين تعرف المرأة حقوقها وتفهم علامات الخطر، تستطيع حماية نفسها وأطفالها.
الخلاصة
العنف الأسري ليس مسألة عائلية خاصة، بل قضية إنسانية تمسّ كرامة المجتمع بأكمله. كلّ امرأة تصمت على الألم تساهم – من دون قصد – في استمرار الظاهرة. والحلّ يبدأ من التعليم والتوعية، ومن ترسيخ قيم الاحترام والمساواة منذ الصغر. ومن الجدير بالذكر أنّنا سبق وعرضنا لكِ خطوات بسيطة تعيد الانسجام إلى أجواء الحياة العائلية.
وبرأيي الشخصي كمحرّرة، أرى أن مواجهة العنف تبدأ من التسمية الصريحة للأشياء. يجب ألا نُخفي الحقيقة تحت مسمّيات مثل “خلاف زوجي” أو “سوء تفاهم”. إنّ الاعتراف بوجود المشكلة هو الخطوة الأولى للشفاء منها. علينا جميعًا – كمجتمع وكمؤسسات – أن نخلق بيئة تحمي المرأة، وتمنحها صوتًا حرًّا لا يخاف من الصمت بعد اليوم.
لما ياسين : تم نشر هذا المقال على موقع عائلتي
متابعة المركز : العنف الأسري في العراق
نتائج العنف الأسري المبلغ عنها في العراق خلال عام 2022 غير متوفرة بشكل كامل، لكن هناك بعض البيانات والإحصائيات ذات الصلة من مصادر مختلفة:
تصاعد العنف الأسري بشكل عام في العراق خلال السنوات الأخيرة.
تم معالجة 55 حالة تعنيف أطفال في النصف الأول من عام 2022.
تمت إعادة 62 فتاة هاربة ورصد 22 طفلًا هاربًا في النصف الأول من عام 2022.
تشير مصادر أخرى إلى أن عدد حالات العنف الأسري المسجلة رسمياً بلغ نحو 14 ألف حالة في عام 2024، و 12 ألف حالة في عام 2020، مما يشير إلى وجود عدد كبير من الحالات سنوياً، و أن العنف ضد النساء في تصاعد مستمر.
شكلت حالات اعتداء الأزواج على الزوجات 75% من مجمل الحالات المسجلة في عام 2022.
تجدر الإشارة إلى أن الأرقام المبلغ عنها قد لا تعكس الواقع بالكامل، نظرًا لعدم الإبلاغ عن العديد من حالات العنف بسبب الوصمة
أسباب العنف الأسري في العراق (2022)
تشمل العوامل التي تساهم في تصاعد العنف الأسري في العراق ما يلي:
غياب التثقيف الأسري
المشكلات الاقتصادية والعائلية
ضعف القوانين وضعف تطبيقها.
وجود معتقدات راسخة حول الرجولة.
خوف المرأة من المجتمع ونظرته الخاطئة على سمعتها.
اختلاف المستوى التعليمي للوالدين.
إنتشار تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية
أنواع العنف الأسري
يشمل العنف الأسري في العراق أشكالاً مختلفة، منها:
العنف الجسدي
العنف الجنسي
العنف اللفظي
العنف النفسي
العنف المالي
أرقام أخرى ذات صلة
أظهرت إحصائيات مجلس القضاء الأعلى تسجيل 13,857 حالة عنف أسري في النصف الأول من عام 2024.
خلال سنتين ونصف، تم رصد أكثر من 53 ألف حالة عنف أسري في العراق، 92% منها وقعت بين الأزواج.
ملاحظة
من المهم التأكيد على أن العنف الأسري هو قضية معقدة ومتعددة الأوجه، تتطلب جهودًا شاملة على المستويات الحكومية والمجتمعية لمكافحتها.
ويترافق تزايد حالات العنف الأسري في العراق مع مخاطر عدة ومشاكل تتوسّع اجتماعياً لتشمل أقرباء وأشخاصاً محيطين بالضحايا، وتولّد نتائج مأساوية قد تصل إلى القتل. وكشفت إحصاءات أصدرها مجلس القضاء الأعلى حصول 13.857 حالة عنف أسري في النصف الأول من العام الماضي، و18.436 عام 2023، و21.595 عام 2022. وحددت نسبة حالات اعتداء الأزواج على الزوجات بـ75% من إجمالي الحالات، واعتداء الزوجات على الأزواج (17%)، واعتداء الوالدين على الأبناء (6%)، بينما بلغت نسبة العنف ضد كبار السن 2%. ولفتت الإحصاءات إلى أن العنف الجسدي كان الشكل الأكثر شيوعاً من بين أنواع العنف الأسري، تلاه العنف الجنسي، ثم اللفظي.
وعلى وفق إحصاءات وزارة الداخلية، بلغ عدد دعاوى العنف الأسري المسجّلة من يناير/ كانون الثاني 2024 إلى مايو/ أيار من العام نفسه 13.857، غالبيتها عنف بدني.وبينت وزارة الداخلية العراقية نسب العنف الاسري ما يأتي :
ت الاعتداءات النسب
1 اعتداء الزوج على الزوجة 57%
2 اعتداء الزوجة على الزوج 9%
3 الاعتداء مابين الاخوان والاخوات 7%
4 اعتداء الأبناء على الاباء 10%
5 اعتداء الإباء على الابناء 4%
6 اخرى تذكر 13%
وتُعدُّ اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)
(The Convention on Climination of All Forms of Discrimination Against Woman) ، الإتفاقية الدولية التي تحمي خقوق المرأة وتنبذ العنف ضدها ، هذه الإتفاقية دخلت حيز التنفيذ في 3 سبتمبر 1981 ، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد إعتمدتها بقراراها المرقم 34/180 في 18 ديسمبر 1979 ، وتحفظ العراق على عدد من مواد الإتفاقية مثل المادة 2 و9و16 . وتم استحداث مــديرية حماية الأسرة والطفـــــل مــــن العنف الأســــــري تابعة الى وزارة الداخلية العراقية بهدف حماية إفراد الأسرة وخاصةً النساء والأطفال من كافة إشكال العنف الأسري التعاون مع الوزارات ومنظمات المجتمع المدني للحد من ظاهرة العنف الأسري والوصول الى مجتمع امن وخال من العنف الأسري.