توطين قسري لنازحي العراق... مخيم بزيبز نموذجاً ، تجويع النازحين وسلب كرامتهم

مأساة مخيم بزيبز العراقي وسط صمت حكومي وصرخات وجع من المخيم : نازحون يشكون أحوالهم.. نزوح واغتراب المخيمات تفتقر إلى مستلزمات الحياة الأساسية والنازحون يعانون في الحصول على مياه صالحة للشرب فضلاً عن إنقطاع التيار الكهربائي لأيام متواصلة

Blog

الأفعال في جرف الصخر ومنطقة بزيبز  في الأنبار ، هل ترقى أن تكون جريمة دولية ؟

مقدمة :

منذ أن بدأت الأحداث تترى على محافظة الأنبار والسكان المدنيين يتعرضون لنزوح قسري من مناطقهم هربا من المنظمة الإرهابية (داعش) , أو تفاديا للعنف الممنهج الذي تشنه القوات الحكومية بجميع أنواع الاسلحة البرية والجوية يضاف اليها سلاح تدميري جديد هو (البراميل المتفجرة) , التي تلحق أضرارا تدميرية في البنى التحتية وتقتل عشوائيا مئات المدنيين في إستخدام غير مبرر للقوة العسكرية المفرطة ضد المدنيين وما تقوم بها الفصائل المسلحة دفعتهم الى الهجرة قسرا منذ سنة 2014 ، والبزيبز عبارة عن قنطرة خشبية عائمة على نهر الفرات تربط بشكل مؤقت بين عامرية الفلوجة ومقتربات العاصمة العراقية بغداد تسمى "جسر بزيبز" خطفت الأخبار من أشهر جسور العالم بما فيها العائمة , جسر بزيبز صار استراتيجيا رغما عنه فأمسى مثالا للمعاناة الإنسانية لا يضاهيه فيها إلا الجسر الحجري الرابط بين البوسنة والصرب القائم على نهر درينا بمدينة "فيتشيغراد" , الذي شهد مأساة انسانية لا تقل عن مأساة أهل الأنبار حيث هبت آلاف العوائل من مدينة الرمادي هربا من احتمال دخول تنظيم الدولة الإسلامية المدينة باتجاه بغداد, لتصل إلى أطراف بغداد فعبور هذا الجسر الخشبي أصبح حلما لهؤلاء المدنيين المهجرة قسرا من ديارها , وكأن انتقالهم إلى جهته الشرقية يعد هروبا لهم من الموت الى حياة جديدة , يقول عبد المجيد العيساوي الذي قدم مع عائلته إلى بغداد ليسكن مؤقتا مع ابنته المتزوجة في بغداد لـجريدة «الشرق الأوسط» اللندنية :  أن " المعاناة لا توصف سواء أثناء السير باتجاه الجسر أو عبوره الذي استغرق ساعات بسبب الكثافة البشرية فضلا عن أن العبور إلى الضفة الثانية وإن كان يصطدم بإجراءات روتينية صارمة فإنه يبدو وكأنه عبور الى الحرية  " ويقول : " إنه ليس جسرا بالمعنى المعروف للجسور بل جسر حديدي عائم يربط ناحية عامرية الفلوجة بمقتربات العاصمة بغداد , وأن هذا الجسر لم يكن يهتم له أحد حين كان الذهاب من بغداد إلى الرمادي والفلوجة يمر من خلال الطريق الدولي السريع , لكن سيطرة التنظيم على الفلوجة في حينها منع المرور عبر الطريق السريع فصار جسر بزيبز هو البديل ، من هنا جاءت أهميته الإستراتيجية لأنه صار همزة الوصل الوحيدة المتبقية مع مناطق غرب العراق  , وازدادت أهمية هذا الجسر بعد سقوط مدن وقرى أعالي الفرات القريبة من مدينة الرمادي وعلى امتداد منطقة الجزيرة وصولاً إلى مدينة هيت وما بعدها من مدن ونواح وقرى بيد التنظيم الإرهابي ، فصار على المدنيين الراغبين في التوجه الى بغداد اختيار إما طريق النخيب الصحراوي مرورا بمدينة كربلاء إلى بغداد وهو طريق صحراوي طويل جدا في سلوكه مخاطر كبيرة ، أو الطريق الذي ينتهي بجسر بزيبز بعد المرور بأطراف مدينة الرمادي إلى عامرية الفلوجة ثم الجسر، وهو طريق أقصر من طريق النخيب , وبعد سيطرة الدولة الإسلامية على مدينة الأنبار إثر الإنسحاب العسكري المثير للجدل والإستغراب للقوات العسكرية والحشد من الأنبار ؟!, دفعت المدنيين من النساء والأطفال وكبار السن والرجال الى النزوح قسرا بإتجاه هذا الجسر وعبوره بإتجاه مدينة بغداد , دون أن تتخذ الحكومة المحلية والحكومة المركزية في بغداد إجراءات إنسانية عاجلة لتأمين الوصول الآمن لهم الى بغداد أو غيرها من مدن العراق , دون معاناة إنسانية تضاف الى معاناة هجرتهم القسرية عن مناطقهم ، وبدلا من ذلك فرضت حكومة بغداد شروطا تعسفية غير قانونية لا تمت للإنسانية بصلة بفرض تقديم الكفيل كشرط للدخول الى بغداد , بدعوى الخشية من تسرب أعضاء من التنظيم الإرهابي الى العاصمة وإرتكابهم أعمالا إرهابية في العاصمة بغداد , وأكدت الامم المتحدة أن أكثر من (114) ألف شخص نزحوا بسبب المعارك التي دائرت في محافظة الأنبار , وقالت الوكالة الأممية لللاجئين أن (54)ألف شخصا هُجروا الى بغداد و(15ألف) الى السليمانية في إقليم كردستان و(2100) الى محافظة بابل فيما بينت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة أن (8000) مهجرا لا زالوا عالقين في الأنبار , معربة عن (القلق إزاء الصعوبات التي يواجهها آلاف المدنيين العراقيين ) المهجرين قسرا بسبب المعارك , يعيشون ظروفا غير إنسانية في العراء بلا مأوى ولا ماء ولا غذاء وأعلنت الامم المتحدة مؤخرا أن أكثر من 85 ألف شخصا هجروا من الرمادي منذ منتصف آيار 2015 , كما طالبت منظمة هُيمن رايتس ووتش حكومة بغداد بإلغاء الإجراءات التعسفية وفسح المجال أمام نازحي الأنبار بالتوجه الى المحافظات الأخرى بحرية وعلى وفق القانون الدولي فإن : 

أولا : الإجراءات الحكومية التي أُتخذت كانت منافية للقانون الوطني والإنساني الدولي :

الإجراءات التي اتخذتها حكومة بغداد بحق المدنيين الفارين من محافظة الأنبار  أُُعدّت انتهاكا لحقوق الإنسان وإخلالا بالقانون الوطني والدولي , فالمادة (44/أولا) من دستور العراق لعام 2005 نصت على : " للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه " ، كما نصت المادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948على :

المادة (13)

( 1 ) لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة.

( 2 ) يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.)) .

ونصت المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 على :

المادة  (12)

1-        لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه 

2-        وحرية اختيار مكان إقامته.

3- لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده.

4- لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وتكون متمشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا العهد.

5- لا يجوز حرمان أحد، تعسفا، من حق الدخول إلى بلده. )) .

 

ثانيا : الأفعال التي أُرتكبت قد ترقى أن تكون جرائم دولية : 

أ‌-مرجعية المحكمة الجنائية الدولية : يُعدُّ نظام المحكمة الجنائية الدولية المرجعية لتحديد الجرائم الدولية ، إذ بينت وثيقة الأمم المتحدة (مذكرة تفسيرية ICC-ASPL1l3SUPP) أن هيكل جرائم الإبادة الجماعية والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم الحرب , الهيكل المقابل لأحكام المواد (6و7و8) من نظام روما الأساسي وتشمل بعض فقرات من تلك المواد من النظام جرائم متعددة , فترد أركان الجرائم في فقرات منفصلة تقابل كل جريمة من هذه الجرائم لتيسير تحديد اركان كل جريمة , فمصطلح "القتل"(KILLED)يرادف مصطلح " يتسبب في موت "  (Caused Death) وقد يتضمن هذا السلوك على سبيل المثال لا الحصر , أفعال التعذيب أو الإغتصاب أو العنف الجنسي أو المعاملة اللاإنسانية , ويتضمن مصطلح :الأحوال المعيشية" على سبيل المثال لا الحصر تعمد " الحرمان من الموارد التي لا غنى عنها للبقاء مثل  الأغذية والخدمات الطبية أو الطرد المنهجي من المنازل" , ومصطلح"قسرا" لا يشير على وجه الحصر الى " القيمة المادية " وإنما قد يشمل الخوف من " العنف والإكراه والإحتجاز والإضطهاد النفسي وإساءة إستخدام السلطة ضد الشخص المعني أو الأشخاص أو أي شخص آخر او إستغلال بيئة قسرية " ، والسياسة التي تستهدف سكانا مدنيين بالهجوم تنفذها دولة أو منظمة ويمكن تنفيذها في ظروف إستثنائية بتعمد عدم القيام بعمل , يقصد منه عن وعي تشجيع القيام بهذا الهجوم ووجود هذه السياسة لا يمكن إستنتاجها فقط بغياب الدعم الحكومي أو التنظيمي , وترادف عبارة "الترحيل أو النقل القسري : (Deported Or Forcibly) عبارة " التهجير القسري " (Forcibly Displaced)  , ومن المفهوم أنه لا يلزم إثبات هدف محدد لهذه الجريمة ومفهوم الإعتداء يكون عاما بحيث ينطبق على الذكر والأُنثى .

ب‌-موقف القانون الإنساني الدولي : اعتمد المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فينا بتاريخ 25حزيران / يونيه / 1993 (إعلان وبرنامج عمل فينا) ، إذ نصت الفقرة (5) من الجزء الأول على : " جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة ويجب على المجتمع الدولي أن يعامل حقوق الإنسان على نحو شامل , وبطريقة منصفة ومتكافئة وعلى قدم المساواة وبنفس القدر من التركيز وفي حين يجب أن توضع في الاعتبار , أهمية الخاصيات الوطنية والإقليمية ومختلف الخلفيات التاريخية والثقافية والدينية , فإن من واجب الدول بصرف النظر عن نظمها السياسية والإقتصادية والثقافية , تعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية .) و(حيث وضع القانون الدولي لحقوق الإنسان قصد حماية مجمل حقوق الإنسان , اللازمة لكي يحيا الناس وحياة كاملة وحرة وآمنة ومأمونة وصحية ولا مجال لبلوغ الحق في حياة كريمة , ما لم تتوفر جميع الضرورات الأساسية للحياة أي العمل والغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم والثقافة , على نحو كاف وعادل لكل فرد وتشكل الشرعة الدولية لحقوق الإنسان القاعدة الرئيسية لأنشطة الأمم المتحدة , الرامية الى تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها ورصدها .) وتضم الشرعة الدولية لحقوق الأنسان ثلاث نصوص هي:

  • الإعلان العالمي لحوق الإنسان 1948 .

-           العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية 1966.

-           العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 والبروتوكولان الملحقان به .

وإذ أن تصديق الدول الأعضاء وغير الأعضاء في الأمم المتحدة على عهد , تصبح هذه الدولة طرفا فيه فإنها تكون قد قبلت عمداً مجموعة من الإلتزامات القانونية لدعم وتعزيز الحقوق والأحكام المقررة بموجب هذا العهد , وأنها قبلت مسؤولية تطبيق الإلتزامات المجسدة فيه وضمان إتفاق القوانين الوطنية مع الواجبات الدولية , وبالتصديق على معاهدات حقوق الإنسان تصبح الدولة مسؤولة أمام المجتمع الدولي وأمام بقية الدول المُصدقة عليها وأمام مواطنيها وأمام المقيمين فوق أراضيها . وحيث أن إتفاقيات جنيف الأربع 1949 تعد من مرجعيات القانون الانساني الدولي إذ نصت المادة (3) منها على :

" في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدنى الأحكام التالية :

•الأشخاص الذين لا يشتركون في الأعمال العدائية بمن فيهم أفراد القوات المسلحة , الذين ألقوا عنهم أسلحتهم والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الإحتجاز أو لأي سبب آخر , يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون أو الدين أو المعتقد أو المولد أو الثروة أو أي معيار آخر , تحظر الأفعال التالية فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين أعلاه وتبقى محظورة في جميع الأوقات والأماكن :

أ‌-          الإعتداء على الحياة والسلامة البدنية وبخاصة القتل بجميع أشكاله

ب‌-       والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب .

ت‌-       أخذ الرهائن .

ث‌-       الإعتداء على الكرامة الشخصية وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة .

ج‌-        إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلا قانونيا وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة . وتطبق الإتفاقية بموجب المادة (6) منها بمجرد بدء نزاع أو إحتلال وردت الإشارة اليه في المادة (2) .

ج – إختصاص المحكمة الجنائية الدولية : نصت المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة على :

(( 1- يقتصر إختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع إهتمام المجتمع الدولي بأسره , وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي إختصاص النظر في الجرائم التالية :-

أ‌)          جريمة الإبادة الجماعية .

ب‌)       الجرائم ضد الإنسانية .

ج‌)        جرائم الحرب .

ح‌)        جريمة العدوان  )) .

أولاً -    جريمة الإبادة الجماعية : أعتبرت المادة (6) من النظام أن أي فعل من الأفعال التالية " يرتكب بقصد ، إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكا كليا أو جزئيا :

أ – قتل أفراد الجماعة . 

ب – إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد من الجماعة .

ج – إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليا أو جزئيا  .

د – فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة . 

هاء - نقل أطفال الجماعة عنوة الى جماعة أخرى .

وأركان هذه الجريمة هي :

1-        أن يفرض مرتكب الجريمة تدابير معيشية معينة على شخص أو أكثر .

2-        أن يكون الشخص أو الأشخاص منتمين الى جماعة قومية أو إثنية أو 

3-        عرقية أو دينية معينة .

4-         أن ينوي مرتكب الجريمة إهلاك تلك الجماعة القومية أو الإثنية أو

5-         العرقية أو الدينية كليا أو جزئيا أو بصفتها تلك .

6-        أن يقصد  بالأحوال المعيشية الإهلاك المادي لتلك الجماعة كليا أو جزئيا 

7-         أن يصدر هذا السلوك في سياق نمط سلوك مماثل واضح موجه ضد تلك

8-         الجماعة أو يكون من شأن السلوك أن يحدث بحد ذاته ذلك الإهلاك .

وتعد جريمة الإبادة الجماعية   ( Genocide ) أولى أشد الجرائم خطورة على المجتمع الدولي بأسره الذي أولى إهتماما بالغا بجريمة الإبادة الجماعية بسبب الآثار المدمرة التي خلفتها الحرب العالمية الثانية لاسيما بعد قيام الولايات المتحدة بإلقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين عام 1945 فأخذت الأمم المتحدة هذه الجريمة بعين النظر  حيث عقدت في العام 1948 إتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها حيث أُعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والإنضمام بقرار الحمعية العامة للأمم المتحدة 260 ألف (د-3) المؤرخ في 9 كانون الأول / ديسمبر / 1948 وأصبحت نافذة من 12كانون الأول / يناير / 1951 تضمنت معاقبة مرتكبيها وقت الحرب والسلم وعرفت المادة الثانية منها جريمة الابادة الجماعية بأنها : " الإبادة الجماعية بقصد التدمير الكلي أو الجزئي , لجماعة قومية , أو إثنية , أو عنصرية, أو دينية " . فمجرد أن ترتكب جريمة لأسباب دينية أو إثنية أو قومية فإنها تعد إبادة , وإن كان الضحية شخصا واحدا , أو مجرد الشروع فيها وبمجرد الإتفاق على إرتكابها أو التحريض المباشر والعلني على إرتكابها أو الشروع فيها , ويعاقب الجاني والمحرض والشريك بإرتكابها ولا يعتد بالصفة الرسمية لمرتكبي جريمة الإبادة الجماعية , بصرف النظر عن الصفة التي يحملها أو يتمتع بموجبها بحصانة قضائية أو دبلوماسية طبقا لقواعد القانون الوطني أو الدولي , وبعد إقرار نظام روما روما الأساسي عام 1998 لم يطرأ تغيير على تعريف هذه الجريمة حيث وردت في المادة (6) من النظام على سبيل الحصر لا المثال ولا يجوز إضافة جرائم جديدة عليها طبقا لقاعد لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص , وما يهمنا في هذا البحث جريمة الإبادة بفرض أحوال معيشية عن طريق الجوع ومنع الدواء والغذاء عن مجموعة من الأشخاص , بقصد إهلاكهم لأن من واجبات الدول حماية رعاياها من الجوع لدواعي أخلاقية وإنسانية فمصطلح " الأحوال المعيشية" قد يتضمن على سبيل المثال لا الحصر تعمد الحرمان من الموارد التي لا غنى عنها للبقاء , مثل الأغذية أو الخدمات الطبية أو الخدمات الطبية أو الطرد المنهجي من المنازل . ولا يقصد بالهلاك الموت بل أن يؤدي الحرمان وفرض الأحوال المعيشية الى المرض والتعطيل وعدم القدرة على ممارسة الأمور الحياتية  , وأن يصدر هذا السلوك في سياق نمط سلوك مماثل واضح موجه ضد تلك الجماعة أو يكون من شأن السلوكأن يحدث بحد ذاته ذلك الإهلاك بسبب صفتهم القومية أو الدينية أو الإثنية بقصد الإهلاك . 

ثانياً – الجريمة ضد الإنسانية : 

نصت المادة (7) من قانون المحكمة الجنائية الدولية على أن أي فعل من الأفعال التالية " جريمة ضد الإنسانية" , متى أرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم :

أ‌)          القتل العمد .

ب‌)        الإبادة . 

ت‌)       إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان .

ث‌)       إضطهاد أية جماعة محددة أو مجموعة من السكان لأسباب سياسية أو عرقية , أو إثنية أو ثقافية أو دينية , أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعرف في الفقرة 3 , أو لأسباب اخرى من المسلم عالميا بأن القانون الدولي لا يجيزها , وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار اليه في هذه الفقرة أو أية جريمة تدخل في إختصاص المحكمة .

ج ) الإختفاء القسري للأشخاص .

ح ) الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية وغيرها من الأفعال الواردة في المادة التي هي ليست محل البحث . وتعني عبارة " هجوم موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين " نهجا سلوكيا يتضمن الإرتكاب المتكرر , للأفعال المشار اليها في الفقرة 1 من المادة 7 ضد أية مجموعة من السكان المدنيين , عملا بسياسة دولة أو منظمة تقضي بإرتكاب هذا الهجوم أو تعزيزا لهذه السياسة , وتشمل" الإبادة " تعمد فرض أحوال معيشية , من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء بقصد إهلاك جزء من السكان . ويعني " إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان " نقل الأشخاص المعنيين قسرا من المنطقة التي يوجدون فيها بصورة مشروعة , بالطرد أو بأي فعل قسري آخر دون مبررات يسمح بها القانون الدولي . ويعني " الإختفاء القسري للأشخاص" إلقاء القبض على أي أشخاص أو إحتجازهم أو إختطافهم , من قبل دولة أو منظمة سياسية أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه , ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة دون سند من القانون وهو ما يسمى " الإحتجاز التعسفي" . وضعت لجنة حقوق الأنسان التابعة الأمم المتحدة في العام 1997مبادئ توجيهية بشأن التشرد الداخلي الناجم عن الصراعات والحروب الأهلية , وإنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تخلف ظروف بالغة الألم للسكان المتضررين وحرمانهم من ضرورات الحياة , مثل الماء والغذاء والدواء وتعريض الأبرياء لأعمال العنف والتعذيب والضرب والحط من الكرامة الإنسانية  , ورغم عدم الزامية هذه المبادئ إلا انها ملزمة أخلاقيا للدول فلكل إنسان الحق في الحياة يحميه القانون, فالقصد من إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان بقأكثر من الأسباب التي ذكرناها سابقا .  وحتى يتحقق ركن من أركان هذه الجريمة كإحدى الجرائم ضد الإنسانية يقوم الجاني , بتهجير أو نقل شخص أو أكثر من مكان الى آخر بالطرد أو بأي فعل لا يقره القانون الدولي ولا يشمل الفعل حصرا القوة المادية إنما يشمل التهديد بإستخدامها أو القسر الناشئ عن الخوف من العنف , والإكراهوالإحتجاز والإضطهاد النفسي وإساءة إستخدام السلطة ضد الشخص المعني أو الأشخاص أو أي شخص آخر , أو إستغلال بيئة قسرية وترادف عبارة " الترحيل أو النقل القسري " Deported or Forcibly transferred عبارة "التهجير القسري" Displaced forcibly وأن يكون الشخص أو الأشخاص. وأن يكون الشخص أو الأشخاص المعنيون موجودون في أماكنهم التي هجروا أو نقلوا منها , بصفة مشروعة ويكون الجاني أو الجناة على علم بالظروف الواقعية التي تثبت مشروعية وجودهم في الأماكن التي أُبعدوا أو نقلوا منها , وأن يكون الجاني على علم بالظروف الواقعية التي تثبت مشروعية هذا الوجود وأن يرتكب هذا السلوك كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين , وأن يعلم مرتكب الجريمة بأن السلوك جزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين , أو أن ينوي أن يكون هذا السلوك جزءاً من ذلك الهجوم . وتعتبر الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أذىً خطير يلحق الجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية جرائم ضد الإنسانية ولهذا المصطلح مفهوم واسع يحمل بين طياته الكثير من الأفعال التي ترتكب عمدا وتسبب المعاناة الشديدة او الأذى الخطير الذي يلحق بالجسم أو الصحة العقلية أو البدنية  .

 

 

ثالثاً – جرائم الحرب : 

ترتكب هذ الجرائم في المنازعات الدولية ذات الطابع الدولي والمنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي , وهي المنازعات التي ليس لها صفة دولية تقع داخل الدولة وتخضع للقانون الداخلي . إلا أن القانون الدولي الإنساني هو الواجب التطبيق على الآثار المترتبة عنها , وعلى الدولة إحترام حقوق الإنسان لأنه في ظروف هذه الحروب من المؤكد أن يُستخدم العنف ضد المدنيين بسبب إنتمائهم الى جماعة عرقية أو عنصرية أو عنصرية أو دينية معينة , أشار قانون المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي) في المادة (8) على أن جرائم الحرب تعني الإنتهاكات الجسيمة لإتفاقيات جنيف المؤرخة 12آب / أغسطس 1949 , أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص أو الممتلكات , الذين تحميهم إتفاقيات جنيف ذات الصلة وحددت الإنتهاكات الخطيرة في هذه الإتفاقيات بما يأتي :

1-        القتل العمد : ومصطلح " يقتل "  ( Killed ) يرادف مصطلح" يتسبب في موت "   ( Caused death  وتنسحب الحاشية على كل الأركان التي تستخدم المفهومين .  

2-        أن يقتل مرتكب الجريمة شخصا أو أكثر .

3-        ألتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية , بما في ذلك إجراء تجارب بيولوجية 

4-        تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة .

5-         إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والإستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة .

6-        إرغام أي أسير حرب آخر مشمول بالحماية على الخدمة في صفوف قوات دولة معادية .

7-        تعمد حرمان أي أسير حرب أو أي شخص آخر مشمول بالحماية من حقه في أن يحاكم محاكمة عادلة ونظامية .

8-        الإبعاد أو النقل غير المشروعين أو الحبس غير المشروع .

9-        أخذ رهائن . 

فالقتل العمد يتطلب توافر القصد الجنائي بعنصريه العلمُ والإرادة لدى الجاني ليدخل في نطاق القتل العمد , وفق إتفاقيات جنيف 1949 أي فعل أو إمتناع عن فعل يمكن أن يؤدي الى الوفاة ويعد من قبيل جريمة القتل العمد الأعمال الإنتقامية , التي تقوم بها سلطات الدولة أو الاجهزة المرتبطة بها أو ميليشيات تدعمها ضد أشخاص محميين بحوزتها تؤدي الى الوفاة . أما التعذيب كجريمة حرب فهو أي فعل ينتج عنه ألم أو معاناة شديدة جسدياً كان أو عقلياً ,بشخص ما أما المعاملة اللاإنسانية فهي الأفعال التي تمس كرامة الإنسان وتحط من إنسانيته , حيث يجب معالمة المدنيين معاملة إنسانية في جميع الأوقات أما تعمد إحداث المعاناة الشديدة أو إلحاق الأذى الخطير بالجسم أو الصحة , فقد تكون دون هدف محدد إنما لأسباب إنتقامية سواء أكانت بإحداث الألم الجسدي أو نتيجة ضغوط نفسية , كالتهديد بقتل العائلة أو إيذائهم أما إلحاق التدمير في الممتلكات المدنية فقد ألزمت إتفاقيات جنيف الأربع 1949 حماية المنشآت المدنية , وعدم التعرض لها بالإتلاف أو التدمير وحظرت تدمير الممتلكات المدنية الخاصة منقولة أو غير منقولة تعود للأفراد أو الجماعات أو الدولة أو المنظمات . ومنعت الإتفاقية الرابعة النقل القسري للسكان الفردي والجماعي(المادة 49) منها ، بغض النظر عن القصد من الترحيل والإبعاد ويعد الحبس غير المشروع جريمة حرب مثله مثل الإبعاد القسري للسكان . وأعتبرت المادة (2) المشتركة بين إتفاقيات جنيف الاربع 1949 الافعال التي ترتكب ضد الأشخاص غير المشتركين إشتراكا فعليا في الأعمال الحربية جريمة حرب ويشمل المقاتلين الذين أصبحوا عاجزين عن القتال بسبب المرض أو الإصابة أو الإحتجاز أو لأي سبب آخر وهذه الإنتهاكات هي :

أ-إستعمال العنف ضد الحياة والأشخاص , وبخاصة القتل بجميع أنواعه و والتشويه , والمعاملة القاسية , والتعذيب .

ب - الإعتداء على كرامة الشخص , وبخاصة المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة .

ت -أخذ الرهائن .

ث -إصدار أحكام وتنفيذ إعدامات , دون وجود حكم سابق صادر عن محكمة مشكلة تشكيلا نظاميا تكفل جميع الضمانات القضائية المعترف عموماً بأنه لا غنىً عنها .

وعلى الرغم من لجوء نازحي أهالي بلدة جرف الصخر الى مخيم بزيبز  إذ وصلوا إلى المنطقة في سنة2014، لكنّ جهات سياسية وأخرى مسلحة تمنع اليوم عودة االمدنيين إلى مناطقهم الأصلية. على الرغم على أنّ أوضاع المخيم سيئة جداً في غياب الدعم فالخيام جميعها استُهلكت وباتت ممزّقة بسبب الأحوال الجوية. وثمّة خيام لم تُستبدل منذ خمسة أعوام، مع العلم أنّها مخصصة للاستخدام عاماً واحداً. كلّ ذلك دفع العراقيين النازحين إلى بناء غرف بسيطة من أجل حماية الأطفال والنساء من البرد الشديد. كما أنّ ثمّة نازحين باتوا يعتقدون أنّ أزمتهم لن تُحلّ في ظل وجود الفصائل المسلحة المناطق المحررة من تنظيم داعش وأن ضحية الصراعات السياسية، بالتالي يفكّرون بالاستقرار في المخيم بعد بناء المنازل واطئة الكلفة ليجبروا قسراً على التوطين في مناطقهم التي هجروا اليها . وتقول وزارة الهجرة والمهجرين العراقية : 1500 عائلة مازالت تسكن في مخيم بزيبز العشوائي أغلبهم من سكان جرف الصخر بمحافظة بابل، والعويسات التابعة لمحافظة الأنبار، لم يتمكنوا حتى الآن من الحصول على موافقات العودة إلى مناطقهم الأصلية، وطالبت العائلات النازحة بوضع حد لرحلة نزوحهم المستمرة منذ عام ألفين وأربعة عشر.وخلاصة القول أن ما جرى ويجري على جسر بزيبز خاصة وفي محافظة الأنبار عامة وفي جرف الصخر , أفعال تُعدُّ جرائم دولية ترقى الى أن تكون جرائم الابادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب , لاسيما أن الصور والأفلام التي تبثها المواقع على الشبكة العنكبوتية تُظهر قيام القوات الحكومية والفصائل المسلحة بإعدامات ميدانية من دون محاكمة نظامية , بالحرق أو بالطعن بالسكاكين حتى الموت أو بالسحل بالآليات العسكرية حتى الموت وتهديم الدور , وحرق المساجد وتفجيرها ونبش القبور ونهب الممتلكات والتهديد بالإنتقام الطائفي , ومنع السكان المدنيين من العودة الى مناطقهم في صلاح الدين وديالى , وإطلاق العبارات الطائفية والتهديد بالقتل كإنتقام طائفي ، وفرض ظروف معيشية تعسفية على السكان المدنيين , على جسر بزيبز ورفض قبول عودتهم الى الأماكن التي أُجبروا على النزوح منها ، كلها تشكل جرائم دولية تدخل في إختصاص المحكمة الجنائية الدولية ,هذه الجرائم الدولية تنطبق أيضا على الانتهاكات الجسيمة التي إرتكبها أجهزة الدولة الإسلامية (داعش) في المناطق التي سيطرت عليها في العراق , إلا أن المثير للتساؤل الموقف المتفرج للمجتمع الدولي من هذه الجرائم وإدعاء المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بصعوبة إجراء التحقيق في تلك الجرائم الدولية التي أُرتكبت ولا تزال ترتكب في العراق لانه ليس طرفا في نظام روما الاساسي , وهذا الإدعاء ليس له سند من القانون , لان لمجلس الأمن الدولي متصرفا وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة صلاحية إحالة حالة الى المدعي العام , يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد أرتكبت ( المادة 13/ب) من نظام روما الأساسي , كما أن للمدعي العام أن يباشر التحقيق من تلقاء نفسه على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل في إختصاص المحكمة (المادة 15 / 1 ) من نظام روما الأساسي ، إذ سبق للمدعي العام أن باشر التحقيق في الجرائم المزعومة التي ارتكبت في دارفور بالسودان وأصدرت أمرا بإلقاء القبض على الرئيس السوداني السابق عمر البشير , ولهذا نؤكد دعوتنا لإنشاء هيئة وطنية قانونية متخصصة في القانون الدولي الجنائي لتوثيق وجمع الجرائم الدولية التي أُرتكبت ولا تزال في العراق , والتوجه الى الدول الأوربية الأطراف في نظام روما الأساسي لتمارس مسئوليتها الأخلاقية والقانونية بإحالات حالات الجرائم الدولية في العراق الى المحكمة الجنائية الدولية لمباشرة التحقيق وسوق الجناة الى المحكمة وإنصاف الضحايا ووضع حد لأكثر الجرائم جسامة وخطورة تهز الضمير الإنساني أُرتكبت في العراق منذ عام 2003 الى يومنا هذا ويتطلب ذلك جهدا قانونيا إستثنائيا وتجردا من القوى الوطنية من المصالح الذاتية كما يقع على عاتق رجال القانون وذوي الضحايا مسؤولية توثيق هذه الجرائم الدولية وهي جرائم لا تسقط بالتقادم .

الدكتور

سهيل أحمد أمين

19/12/2025